شهدت واشنطن العاصمة، عشية عيد الشكر، حادث إطلاق نار مُستهدِفاً أصاب ضابطين من الحرس الوطني، وذلك على بعد خطوات من البيت الأبيض. في الظروف العادية، يُعد هذا الهجوم على “عصبية الدولة” مأساة أمنية. لكن في خضم “الحرب الأهلية الإدراكية” الراهنة، يطرح التوقيت المفاجئ والرد السريع للرئيس دونالد ترامب فرضية استراتيجية عميقة: هل كانت هذه الحادثة هي “القطعة المفقودة” التي يحتاجها ترامب لتوجيه الوعي بعيداً عن أزمته الوجودية؟
إن تحليل هذا الحدث من خلال عدسة “نظرية الألعاب” و”الهدم المُسيطر عليه” يكشف أن حادثة إطلاق النار، سواء كانت مدبرة أم لا، هي في الواقع “الهدية الاستراتيجية” التي يحتاجها الرئيس ترامب لتنفيذ استراتيجية “التطهير” بنجاح.
أولاً: إعادة ترتيب الأولويات (انفجار يصرف الانتباه)
لقد أدت هذه حادثة الحرس الوطني إلى إعادة ترتيب “مصفوفة الوعي” لدى “قبائل الغضب” في ثلاث ثوانٍ:
| القنبلة النووية (الأزمة الأصلية) | قنبلة الدخان (الحادثة الجديدة) | المكسب الاستراتيجي لترامب |
|---|---|---|
| ملف إبستين (الفساد الهيكلي للنخبة) | هجوم الحرس الوطني (التهديد الأمني الوجودي) | صرف الانتباه: تحويل تركيز الجمهور من “من هم المتورطون في إبستين؟” إلى “من يقتل جنودنا في واشنطن؟” هذا يوفر “غطاءً قانونياً” وزمناً لوزارة العدل (التي يسيطر عليها ترامب) لحجب الوثائق تحت بند “التحقيقات الجارية”. |
| تآكل التحالف مع “إيباك” | تعليق الهجرة الأفغانية | توحيد الصفوف: توجيه “غضب القبائل” بعيداً عن ملف “الولاء الخارجي” (إسرائيل) وإعادة توحيده خلف “الخطر الخارجي المشترك” (الهجرة والأجانب). هذا ينهي النقاش حول الخيانة ويثبت “الوطنية” لترامب. |
ثانياً: استراتيجية “الهدم المُسيطر عليه” (Controlled Demolition)
إن الطريقة التي رد بها الرئيس ترامب على حادثة الحرس الوطني لا يمكن أن تكون مجرد رد فعل عفوي، بل هي تنفيذ لتكتيك متكامل لـ “تطهير” خصومه باستخدام “سلطة القانون”.
- “التحكم في العدالة” كأداة تطهير:
التحليل يفترض أن الرئيس ترامب يمتلك القدرة على “توجيه العدالة”. إذا كانت حادثة الحرس الوطني “مدبرة”، فإن الهدف هو:
- تحديد الضحية: القتلة (أو المصابون) من الجيش، والمشتبه به (الذي يعود لأزمة الهجرة السابقة).
- تحديد الهدف: الخصوم الديمقراطيون الذين أداروا برنامج الهجرة.
- إطلاق العملية: الأمر الفوري بتعليق الهجرة الأفغانية وتوجيه الاتهام بـ “العمل الإرهابي” هو توجيه كامل لآلة الأمن القومي لخدمة الأجندة السياسية.
- سحق “الخصم” دون رحمة:
توفر حادثة الحرس الوطني غطاءً لترامب لسحق خصومه الديمقراطيين. فبمجرد أن يوجه الاتهام لـ “إدارة بايدن” بأنها هي التي “استوردت الإرهاب”، فإن “الحزب المشترك” (الذي لا يملك سلطة القانون) يجد نفسه في “مصيدة” سياسية لا مخرج لها. إذا دافعوا عن الهجرة، اتهموا بالخيانة القومية.
ثالثاً: النتيجة النهائية (اللاعب الوحيد القادر على الوقوف)
إن تطبيق هذه الفرضية على “نظرية الألعاب” يكشف أن ترامب يضمن بقاءه كـ “اللاعب الوحيد القادر على الوقوف” بعد الانفجار:
- “جناح العدالة الشعبوي” (ماغا): يتم تعبئتهم بالكامل خلف ترامب، ويصبحون على استعداد لنسيان فضيحة إبستين (مؤقتاً) للتركيز على “الخطر الوجودي” الجديد.
- “الحزب المشترك” (المؤسسة): يتلقى ضربة ثلاثية: هجوم على “الحرس الوطني” (أقدس مؤسسات الدولة)، وإدانة لسياسات الهجرة الديمقراطية السابقة، و”التطهير” الأخير الذي يهدف إلى تفكيكهم.
الخلاصة: لا يمكن إثبات أن حادث الحرس الوطني في واشنطن مدبر، لكنها تظل الفرضية الأكثر ترابطاً منطقياً لشرح كيف تحولت أزمة “إبستين” التي كانت تهدد ترامب إلى فرصة سمحت له بـ “توجيه الطوفان الثقافي” إلى هدف خارجي، وتثبيت سلطته على “الدولة الإدارية” بشكل أكبر من أي وقت مضى.