في المقال السابق، اتفقنا على أن “العطاء” ليس درساً نتعلمه في المدارس، بل هو “فطرة” نولد بها، ونظام تشغيل داخلي يميل بنا نحو الخير. ولكن، قد يهمس متشكك: “هذا كلام جميل، لكنه نابع من رؤيتك الإسلامية. ماذا عن بقية سكان الكوكب؟ هل يشاركوننا هذا الإيمان بـ ‘فطرية’ الخير؟”. وهل يمكن الحديث عن العطاء في الأديان بوصفه مبدأً إنسانيًا مشتركًا لا يقتصر على عقيدة واحدة؟”.
الإجابة المدهشة هي: نعم. إذا قمنا برحلة سريعة عبر الأديان والحضارات، سنجد أن البشرية كلها، رغم اختلاف عقائدها ولغاتها، اتفقت على حقيقة واحدة: العطاء هو القانون الخفي الذي يحكم الكون، ومن يعطي فإنما ينسجم مع هذا القانون، ومن يمسك فإنما يشذ عنه.
المسيحية: القانون المنقوش في القلب
لنبدأ بالمسيحية، نجد مفهوماً يكاد يطابق “الفطرة” حرفياً، وهو “القانون الطبيعي” (Natural Law). في رسالته الشهيرة إلى أهل رومية، يتحدث القديس بولس عن الأمم الذين لم ينزل عليهم كتاب، ومع ذلك يفعلون الخير. كيف؟ يقول: “لأن عمل الناموس (القانون) مكتوب في قلوبهم، وشاهداً أيضاً ضميرهم”. المسيحية ترى أن الله لم يترك الإنسان هملاً، بل وضع في داخله “بوصلة” تسمى “الضمير” (Conscience). هذا الضمير يوصف بأنه “صوت الله في النفس”. إذن، حين يمد المسيحي يده بالصدقة (Caritas)، هو لا يطيع فقط وصايا الكنيسة، بل يستجيب لنداء هذا “القانون الطبيعي” المحفور في قلبه، تماماً كما يستجيب المسلم لنداء “الفطرة”. المسميات تختلف، والجوهر واحد.
الشرق الأقصى: الانسجام مع “الدارما”
ولكن، ماذا عن الأديان الشرقية البعيدة عنا، كالهندوسية والبوذية؟ هل لديهم نفس المفهوم؟ المفاجأة أنهم يمتلكون رؤية كونية للعطاء قد تكون أعمق وأشمل. المركز في عقيدتهم هو “الدارما” (Dharma)، وتعني “النظام الكوني” أو “القانون الأزلي”. هم يرون أن الكون كله (من حركة الكواكب إلى نمو الأشجار) يسير وفق نظام دقيق من العطاء والتبادل. الإنسان الصالح هو الذي يضبط إيقاع حياته مع هذا الإيقاع الكوني. وهنا يأتي مفهوم “الكارما” (Karma). الكارما ليست مجرد “ثواب وعقاب”، بل هي قانون “السببية الأخلاقية”. حين تمارس العطاء (يسمونه “دانا” Dāna) ، أنت لا تتفضل على أحد، بل أنت تعيد التوازن لنفسك وللكون، وتزرع طاقة إيجابية ستعود إليك حتماً . العطاء عندهم ليس واجباً اجتماعياً، بل هو “طريقة وجود” (Mode of Existence). أن تعطي يعني أنك “حي” ومتناغم مع الدارما. أن تمسك يعني أنك “ميت” ومنفصل عن تيار الحياة.
الميراث المشترك
تأملوا هذا المشهد البانورامي:
- المسلم يسميها “فطرة”: جبلّة إلهية تحب الخير.
- المسيحي يسميها “قانوناً طبيعياً”: شريعة منقوشة في القلب.
- البوذي يسميها “دارما”: انسجام مع النظام الكوني.
اختلفت الألسن، واختلفت الميتافيزيقا (إله واحد مقابل نظام كوني)، لكن النتيجة العملية واحدة: الإنسان مصمم ليعطي. هذا الإجماع العالمي يخبرنا بشيء خطير: “الأنانية” ليست هي الأصل، بل هي الشذوذ. و”العطاء” ليس تضحية مؤلمة نخسر فيها مالنا، بل هو الطريقة الوحيدة لنكون “بشراً” بالمعنى الكامل للكلمة.ولكن، هل هذا القانون المشترك الذي نراه في العطاء في الأديان هو مجرد “روحانيات” لا دليل عليه؟ هل يمكن للعلم الحديث، بمشراطه ومجاهريه، أن يثبت وجود هذا “القانون الطبيعي” داخل أجسادنا؟ هل يمكن لطبيب أعصاب ملحد أن يرى أثر “الصدقة” في دماغ الإنسان؟
هذا ما سنكشفه في المقال القادم، حين ننتقل من “معبد الرهبان” إلى “مختبر العلماء”: “هرمون الحب ونشوة المساعدة: حين يثبت ‘المختبر’ ما قاله ‘الوحي’ عن لذة العطاء”.