في مجالسنا، هناك عبارة واحدة تملك سلطة تفوق سلطة القانون، وأحياناً -للأسف- تفوق وازع الدين. عبارة مكونة من ثلاث كلمات فقط، لكنها قادرة على هدم بيوت، وإغراق شباب في الديون، ووأد أحلام في مهدها.
العبارة هي: ” وش بيقولون الناس؟ “. هذا السؤال البسيط هو التعبير الشعبي عمّا يمكن تسميته بـ الخوف من كلام الناس..
نحن نعيش في مجتمعات محافظة، وهذا شيء نفخر به. الدين جزء من هويتنا، والأخلاق عماد تربيتنا. ولكن، إذا دققنا في سلوكياتنا اليومية، سنجد أننا نخضع لـ “شريعة” أخرى غير مكتوبة، هي “شريعة العيب”. هذا السؤال البسيط هو التعبير الشعبي عمّا يمكن تسميته بـ الخوف من كلام الناس.
وفي هذه الشريعة، يحدث اختلال مخيف في الموازين.
شاب يرغب في الزواج، يريد حفلاً بسيطاً يتناسب مع قدرته المالية، ليبدأ حياته “مستوراً” وبلا ديون. الدين يقول ” أيسرهن مؤونة أكثرهن بركة “. والمنطق يقول لا تبدأ حياتك بكسر ظهرك. لكن ” شريعة العيب ” تصرخ في وجهه: ” لا تفضحنا! وش بيقولون الناس؟ ولد فلان عرسه سكيتي؟ “.

والنتيجة ؟ يذهب الشاب للبنك، ويوقع على قروض ربوية، ويرتكب “الحرام” أو “المكروه” شرعاً وعقلاً، فقط ليتجنب “العيب” اجتماعياً. يغضب ربه، ويرهق نفسه، ليرضي ناساً سيأكلون طعامه وينتقدونه في الحالتين!
فتاة تتعرض لظلم بين، في ميراث أو في زواج، وتريد أن ترفع صوتها لتطلب حقها الشرعي الذي كفله الله لها . فيأتيها الرد الصاعق من أقرب الناس: “عيب.. لا تطلعين أسرارنا.. اصبري واحتسبي عشان سمعة العائلة”. هنا، يصبح “الخوف من كلام الناس” وثنًا يُعبد من دون الله، نضحي عنده بحقوق البشر وبنصوص الشريعة.
لماذا وصلنا إلى هذه المرحلة؟ لماذا أصبح “المنقود” (ما ينتقده الناس) أشد رعباً في نفوسنا من “المحرم” (ما يغضب الله)؟
المشكلة تكمن في أننا خلطنا بين “الحياء” المحمود، وبين “الرياء” الاجتماعي المذموم. “العيب” هو قانون متغير ومزاجي. ما كان “عيباً” بالأمس (مثل عمل الشاب في بيع القهوة أو الطعام) أصبح اليوم “فخراً” وريادة أعمال. هذا يثبت أن “العيب” صنم من عجوة، نحن من نصنعه ونحن من نأكله. أما “الحرام” و”الحلال” و”الحق” فهي ثوابت لا تتغير بتغير أمزجة المجالس.
إن التنمية الحقيقية، والراحة النفسية، لن تتحققا إلا إذا أعدنا ضبط هذا الميزان المقلوب. نحن بحاجة لثورة وعي، تبدأ من داخل كل بيت.
أن نعلم أبناءنا أن البوصلة هي “الله”، ثم “الضمير”، ثم “القانون”. أما “الناس”، فهم مجرد مشاهدين في مسرح الحياة، لا يملكون جنة ولا ناراً، ولا نفعاً ولا ضراً.
أن نقول لابننا: “لا تفعل هذا لأنه يغضب الله”، لا أن نقول له “لا تفعل هذا عشان ما يضحكون عليك الناس”. الفرق بين الجملتين هو الفرق بين أن تربي “إنساناً حراً” يراقبه ضميره، وبين أن تربي “إنساناً منافقاً” وأسيرً للخوف من كلام الناس، يتقن التمثيل أمام الجمهور ويفعل ما بدا له في الخفاء.
تحرروا من سجن “وش بيقولون الناس”. فالناس سيتحدثون في كل الأحوال. عش حياتك وفق قناعاتك ومبادئك وإمكانياتك. ففي النهاية، الحساب يوم القيامة سيكون “فردياً”، ولن يأتي “المجتمع” ليدافع عنك أو يسدد ديونك التي أخذتها لإرضائه.