تُروى حكاية قديمة عن تاجر في أحد أسواقنا الخليجية، فتح دكانه في الصباح الباكر، وجاءه أول زبون يطلب سلعة معينة. التاجر يملك السلعة، وبجودة ممتازة، لكنه اعتذر للزبون بلطف قائلاً: “يا أخي، هذه السلعة موجودة عند جاري في الدكان المقابل.. اشترها منه”. استغرب الزبون وسأله: “لماذا ترفض الرزق وهو بين يديك؟”. فابتسم التاجر وقال : “أنا استفتحت وبعت اليوم، وجاري أراه لم يبع شيئاً بعد.. وأريده أن يستفتح مثلي”.

هذه القصة ليست من وحي الخيال المثالي، بل كانت “دستوراً” غير مكتوب يحكم أسواقنا لقرون وتجسيدًا حيًا لما يمكن أن نسميه اليوم “التجارة الأخلاقية “. كان السوق في وعي أجدادنا ليس “حلبة مصارعة” البقاء فيها للأقوى، بل كان “مؤسسة تكافلية”. كان التاجر يرى في جاره “شريكاً” في الرزق، لا “عدواً” يجب سحقه.

كانوا يؤمنون بيقين لا يتزحزح بأن “الرزق في السماء”، وأن ما كُتب لجارك لن يأكله فمك، مهما حاولت. هذا الإيمان العميق ولّد حالة من “الأمان النفسي” التي نفتقدها اليوم بشدة في عالم المال والأعمال.

اليوم، تغيرت القواعد. استوردنا “أفضل الممارسات” في التجارة والتسويق، والتي تعلمنا أن المنافسة هي “حرب”. تعلمنا مصطلحات مثل “الاستحواذ على حصة السوق”، و”تحطيم المنافسين”. وابتعدنا شيئًا فشيئًا عن جوهر التجارة الأخلاقية التي كانت تضبط إيقاع السوق. أصبحت شطارة التاجر تقاس بقدرته على أن يأخذ اللقمة من فم جاره، وأن يبيع أي شيء لأي أحد، حتى لو لم يكن يحتاجه..

لقد ربحنا “الأرقام”، لكننا خسرنا “البركة”.

“البركة” ليست خرافة. إنها ذلك القانون الخفي الذي يجعل المال القليل يكفي، ويجعل التجارة تنمو بهدوء وثبات. البركة تطير حين تدخل الأنانية، وحين يصبح “الدينار” أغلى من “الجار”. وحين تغيب روح التجارة الأخلاقية عن تعاملاتنا اليومية.

في الماضي، كان التاجر يغلق دكانه وقت الصلاة دون أن يقفله، يضع فقط “شالاً” أو عصا على الباب، ويمضي مطمئناً. كان الأمن نابعاً من القلوب قبل أن تفرضه الكاميرات. اليوم، نضع أحدث أجهزة الإنذار، ونكتب عقوداً قانونية معقدة، ومع ذلك نعيش في قلق دائم من الغش والخسارة.

نحن لا ندعو لأن نلغي المنافسة، فهي محرك للجودة. ولكننا ندعو لـ “أنسنة” السوق من جديد. وإعادة الاعتبار لقيم التجارة الأخلاقية. ندعو لأن يتذكر التاجر الحديث ورائد الأعمال الشاب، أن نجاحك لا يشترط فشل الآخرين، وأن القمة تتسع للجميع..

ما أحوجنا اليوم لأن نستعيد “روح” ذلك التاجر القديم في شركاتنا ومتاجرنا. أن نفرح لنجاح منافسنا كما نفرح لأنفسنا. أن ندرك أن “الرزق” الذي يأتي عن طريق “الإيثار” و”صفاء النية” فيه بركة وسعادة لا توفرها مليارات “المنافسة المتوحشة”.

ففي النهاية، ما نأكله يذهب، وما نكنزه يفنى، ولا يبقى للإنسان إلا “موقفه” النبيل، وكلمة “ونعم” التي تتردد خلفه في المجالس. تلك هي التجارة التي لن تبور.

مصنَّف ضمن:

التحليلات,