في عام 1992، أعلن المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما “نهاية التاريخ”. لم يكن ذلك تحليلاً أكاديمياً بقدر ما كان إعلاناً عن يقين إمبراطوري: انتهى الجدل، وانتصر النموذج، ولم يبقَ للعالم إلا أن يلحق بالقطار الغربي. ….وفي تلك اللحظة بالذات، لم يكن فوكوياما يكتب فلسفة فحسب، بل كان يوثّق غروراً.

هذا الغرور هو مفتاح فهم ما آلت إليه السياسة الغربية اليوم من فشل متكرر في قراءة خصومها الحضاريين. فشل لا يُفسَّر بقصور الاستخبارات، ولا بسوء الحسابات العسكرية، بل بخلل أعمق يسكن في بنية الأداة المعرفية ذاتها التي يرى بها الغرب العالم.

الأداة الغربية في صنع القرار مبنية على منطق واحد: المصلحة القابلة للقياس. ما يُقاس بالأرقام حقيقي، وما لا يُقاس وهم أو تأخر. وعليه، حين تجلس واشنطن إلى طاولة المفاوضات، فهي تضع أمامها أوراق الضغط الاقتصادي وموازين القوى العسكرية، مفترضةً أن الطرف الآخر يفكر بالمنطق ذاته. لكن ما يحدث حين يكون الخصم يتحرك بدوافع الكرامة الحضارية، والواجب الديني، والذاكرة الجمعية الجريحة؟ تصبح العقوبة الاقتصادية لا ضغطاً يكسر الإرادة، بل وقوداً يشعل الصمود. ويتحول الحصار من أداة إخضاع إلى شهادة يحتج بها الطرف الآخر على عدالة موقفه.

الشواهد على هذا الفشل ليست استثناءات، بل نمط. العراق 2003 كشف أن الديمقراطية لا تُزرع بالدبابات في تربة قبلية وطائفية راسخة. وأفغانستان أثبتت أن المؤسسات لا تبني دولة حين تغيب الهوية الجامعة. وإيران تقدم منذ عقود النموذج الأكثر وضوحا: شعب يقرأ صموده أمام العقوبات واجباً كونياً لا قراراً سياسياً. في كل هذه الحالات، كانت الأصوات التحليلية الناقدة موجودة داخل المؤسسة الغربية ذاتها. استقال مسؤولون، وكتب باحثون، وحذّر دبلوماسيون. لكن المؤسسة لم تسمع، لأن السمع يستلزم تواضعاً لا تملكه القوة المتمكنة.

وهنا يكمن الجوهر: القوة حين تبلغ ذروتها تُنتج غروراً، والغرور يُنتج عمى، والعمى يُنتج فشلاً يتكرر دون أن يُراجَع. ليس هذا قانوناً خاصاً بالغرب؛ الرومان عرفوه، والعرب في أوج حضارتهم لم يسلموا منه. لكن ما يجعله أشد حدةً في الحالة الغربية المعاصرة هو تزامن ثلاثة عوامل في لحظة تاريخية واحدة: عقل تنويري مادي أقصى المعنى الروحي من حسابات السياسة، ويقين ما بعد الحرب الباردة بأن النموذج الغربي نهاية التاريخ، وهيمنة الاقتصادي على السياسي حتى أفقرت لغة القرار وجففت منابع الحكمة فيها.

غير أن الصورة لا تكتمل دون ملاحظة منهجية أمينة: كثرة الأصوات الناقدة من داخل الغرب، والتي تصاعدت بشكل لافت في أعقاب أحداث غزة، ليست بذاتها دليلاً على انهيار النظام، لكنها ظاهرة تستحق الإنصات والتحليل لا التجاهل. هذه الأصوات تكشف أن الجسد الشعبي والفكري في الغرب أكثر قدرة على المراجعة مما تُظهر مؤسساته الرسمية. الشعوب تتحرك، لكن النخب تتصلب. وهذا التناقض الداخلي هو ربما أهم مؤشر على مرحلة انتقالية لم تتضح ملامحها بعد.

يبقى سؤال الخلاصة: هل هذا الفشل قابل للإصلاح؟ التاريخ يقول إن القوى الكبرى تسلك أحد مسارين حين تبلغ هذه المرحلة: مراجعة ذاتية مؤلمة تتطلب من النخبة التضحية بامتيازاتها، أو تصلب يمتد حتى الانكسار. والمؤشرات الراهنة تُرجّح أن المؤسسة الغربية لن تختار المراجعة طوعاً، بل ستنتظر الأزمة التي تجبرها على ذلك.

وحين يُغتال المفكرون الذين يُضيئون المساحات المعتمة، لا يخسر العالم أفراداً، بل يخسر القدرة على الفهم. وبدون الفهم، لا تُبنى سياسة رشيدة، ولا يُحلّ صراع حضاري. تُدار فقط دوامات من القوة والعمى، تتكرر حتى تُنهك الجميع.

حين تعمى القوة عن المعنى، لا تنتصر على الروح. تستنزفها فقط. وهذا وحده ثمن باهظ يدفعه العالم كله.

مصنَّف ضمن:

عام,