أغمض عينيك للحظة وتخيل الرائحة.

في المشهد الأول:

عبق “العود الأزرق” يمتزج برائحة “الهيل” الفواحة من دلّة صفراء لا تتوقف عن الدوران. أصوات الترحيب تتعالى: “يا هلا”، “مرحبا”، “حياكم الله”. الأبواب مشرعة، والمكان يضج بالحياة وبأحاديث تمتد من حكمة الشيوخ إلى حماس الشباب.

في المشهد الثاني:

رائحة القهوة المحمصة بعناية، وصوت خافت لموسيقى الجاز أو هدوء المكيفات المركزية. الإضاءة خافتة ومدروسة، والديكور أنيق يشبه صور المجلات. الجميع يجلسون في حلقات صغيرة ومنفصلة، أو خلف شاشات أجهزتهم، والهدوء هو سيد الموقف.

نحن نعيش اليوم هذا الانتقال الصامت والملموس؛ من دفء “المجلس” التقليدي إلى أناقة “المقاهي المختصة”. وهذا ليس مجرد تغيير في “المكان”، بل هو تحول عميق في “الروح”. وتعبير واضح عن تحولات الهوية الاجتماعية التي يعيشها مجتمعنا.

في ثقافتنا، لم يكن المجلس مجرد غرفة لاستقبال الضيوف. كان “مدرسة”. فيه يتعلم الصغير “السنع” وآداب الحديث قبل أن يتعلم الحروف. فيه تذوب الفوارق، فالكل يجلس في دائرة واحدة. والأهم من ذلك، كان المجلس يقوم على قيمة “الواجب” و”الوصل”. أنت لا تذهب للمجلس لأنك “تشعر برغبة” في ذلك فقط، بل لأن هناك واجباً اجتماعياً، وحقاً للجار والقريب.

الفضاء الثالث

أما اليوم، فقد صعد نجم “الفضاء الثالث”؛ المقهى الحديث. إنه مكان جميل، ومريح، ويقدم لنا “تجربة” استهلاكية مذهلة. لكنه مكان محكوم بقيم مختلفة تماماً. نحن نذهب إليه بحثاً عن “الجو” (The Vibe)، وعن “الخصوصية”، وعن صورة جميلة نشاركها في العالم الافتراضي. في انعكاس آخر من انعكاسات تحولات الهوية الاجتماعية المعاصرة.

في المقهى، العلاقات “منسقة” و”مختارة”. نجلس مع من يشبهنا فقط. وتتحول القهوة من “رمز للكرم” يُقدم لك بيمين المضيف، إلى “منتج” تشتريه لتدلل به نفسك.

لا أحد يقول إن علينا مقاطعة المقاهي، فهي جزء من إيقاع عصرنا، ومساحة للتنفس والعمل. ولكن الخطر الحقيقي يكمن في أن نسمح لـ “اللاتيه” بأن يحل محل “الدلّة” في قلوبنا. الخطر هو أن نستبدل “علاقات الواجب” العميقة بـ “علاقات المزاج” العابرة. وأن تمر تحولات الهوية الاجتماعية دون وعي أو مساءلة.

أن نكتفي بـ “البرستيج” وننسى “السنع”.

المجلس كان يعلمنا كيف نستمع لمن يخالفنا الرأي، وكيف نحترم الكبير، وكيف نتحمل مسؤولية الجماعة. المقهى يعلمنا كيف نستمتع بوقتنا الخاص، وكيف ننعزل بأناقة، و نعيش فرادى. وكانوا يقولون ” المجالس مدارس”.

نحن بحاجة للاثنين معاً، ولكن بترتيب صحيح. لنستمتع بقهوتنا المختصة، ولنعش حداثتنا، لكن لا نجعلها تنسينا طريق المجلس. فالمقهى قد يمنحك “تعديل مزاج”، لكن المجلس هو الذي يمنحك “الجذور” و”الانتماء”. وفي زمن العواصف، وبين تسارع تحولات الهوية الاجتماعية تبقى الجذور هي ما يبقينا واقفين.

مصنَّف ضمن:

التحليلات, تأملات,