راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي “المربية” وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية.

هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو “جرح” غائر في كرامة الأسرة الخليجية، كمؤشر عميق على تأثير المربيات على تربية الأطفال. تأثير يتجاوز حدود المساعدة إلى إعادة تشكيل الوجدان واللغة وأنماط التعلّق الأولى.. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في “أعمال المنزل” فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ “تعهيد” (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا “مفاتيح” عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في “تداخل الأدوار”…..

 “الدريول” (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو “الأب البديل” في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و”المربية” لم تعد منظفة، بل أصبحت “الأم البديلة” التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). وهنا يتجلى بوضوح تأثير المربيات على تربية الأطفال حين تتحول العلاقة من خدمة إلى تشكيل وجداني طويل الأمد.

نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا “تغيروا”، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن “السنع” عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون “ابن قبيلة” أو “ابن عائلة” وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟

إن “السيادة” لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من “السيادة على المنزل”. هناك مناطق “محرمة” لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا “مفتاح” لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه “فرصة ذهبية” لا تتركها للسائق.

وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى “المحفّظ” أو “المحفّظة” فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته.

كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا “سورة الفاتحة”؟ هذه السورة هي “أم الكتاب”، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت “أجر” كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل “عقد القرآن” في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون “القرآن” في صدورهم، و”صوت الوالدين” في ذاكرتهم.

الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره “لمسة يدك” وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه “المرجلة” أو “الحياء” أو “الفاتحة”.

دعونا نستعيد “مفاتيح” بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في “شؤون البيت” (التنظيف، الغسيل)، أما “شؤون القلب” و”شؤون العقل” و”شؤون الروح”، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة.  إن الوعي الحقيقي بـ تأثير المربيات على تربية الأطفال هو الخطوة الأولى لإنهاء هذا الخلل الصامت، لا تجعلوا أطفالكم “أيتاماً” والوالدان على قيد الحياة.

مصنَّف ضمن:

التحليلات,