لم تكن “الصور الجديدة” التي قذفت بها وزارة العدل الأمريكية في وجه العالم مجرد أدلة جنائية؛ بل كانت بمثابة “تشريح علني” لجثة الضمير الغربي. في تلك اللقطات المسربة من دهاليز قصر مانهاتن ومقاعد طائرة “لوليتا”، لم نر فقط وجوها مشهورة، بل رأينا لحظة انتحار الأيديولوجيا على مذبح الرغبة والمال القذر. وتحول فضيحة إبستين والنخبة من قضية أخلاقية معزولة إلى مرآة كاشفة لانهيار منظومة كاملة من الادعاءات والقيم.
إن الصدمة الحقيقية لا تكمن في فعل الرذيلة ذاته – فالتاريخ مليء بفساد القصور – لكنها تكمن في “هوية الحاضرين”. لقد كشف لنا أن “الوحل” الذي كان يديره جيفري إبستين لم يكن مجرد مخبأ للمنحرفين، بل كان “ناديا حصريا” التقى فيه النقيضان اللذان أوهما العالم لعقود أنهما أعداء.
في الزاوية اليسرى، نرى “نعوم تشومسكي”، الفيلسوف الذي بنى مجده على تفكيك آليات السلطة ونقد وحشية الرأسمالية. كيف للعقل الذي ألف “تصنيع الإجماع” وحذرنا من شرور الإمبريالية، أن يقبل بأن يكون ضيفا مبجلا في “مكمن الشر”؟ هل كان “النقد الجذري” يتوقف عند باب الطائرة الخاصة؟ إن وجوده في قلب فضيحة إبستين والنخبة ليس إدانة جنائية بقدر ما هو إعلان صريح بأن “الاستثناء الأخلاقي” يمكن شراؤه، وأن المثقف قد ينحاز للفقراء نهاراً، ويجالس جلاديهم ليلاً..
وفي الزاوية اليمنى، يبتسم “ستيف بانون”، رسول الشعبوية ومهندس الحرب على “النخبة الفاسدة”. الرجل الذي أقام الدنيا ولم يقعدها صراخا ضد “الدولة العميقة”، يظهر في الصور كجزء حميم من تلك الدولة في أحلك صورها. هنا يسقط قناع الشعبوية ليظهر وجهها الحقيقي: إنها مجرد “علامة تجارية” لبيع الوهم للغاضبين، بينما يشترك القادة في نفس “البوفيه” مع من يدعون محاربتهم.
إن ما تفعله هذه النخبة – سياسية كانت أم فكرية – هو أنها تبيع الناس “مسرحية الصراع”. يقسمون المجتمع إلى يمين ويسار، ليبراليين ومحافظين، ويشعلون الحرائق الثقافية ليلتهي المواطن البسيط بالدفاع عن “رموزه”، بينما في الكواليس، حيث لا توجد كاميرات (أو هكذا ظنوا)، يتصافح الجميع فوق أجساد الضحايا.
لقد كان “إبستين” هو الوسيط “المحايد” الذي أثبت أن المال والرغبة لا دين لهما ولا حزب. ومن هنا، لم تعد فضيحة إبستين والنخبة مجرد ملف قضائي، بل تحولت إلى شهادة تاريخية على زيف الخطاب الأخلاقي الغربي بأكمله. واليوم، يقف المواطن الأمريكي – ومن ورائه العالم – مذهولا أمام حقيقة مرعبة: لا يوجد راع للقطيع. الرعاة جميعهم، من يلبسون ربطات العنق ومن يرتدون عباءة الفلسفة، كانوا منغمسين في نفس الوحل.
إن هذه النخبة لم تخن ناخبيها فقط، بل خانت معنى “المعنى” نفسه. عندما يصبح الفرق بين الثائر والفاسد مجرد زاوية تصوير، فنحن لا نواجه أزمة سياسية، بل ندخل عصر “العدمية الشاملة”. حيث لا يصدق أحد أحدا، وحيث يدرك الجميع أن ما كانوا يشترونه لم يكن مبادئ، بل كان مجرد تذاكر لمسرحية رديئة الإخراج، يدفع ثمنها الفقراء من قوتهم وكرامتهم.
لقد سقطت الآلهة المزيفة، ولكن السؤال المرعب الذي يبقى: من سيملأ هذا الفراغ الهائل الآن بعد أن تلطخ الجميع بالعار؟