حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن “تدوير المناصب” هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية.

ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء.

نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا “الاستثمار” إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين “حاجة الشباب للمنصب” وبين “خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج”؟

إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من “البتر” الإداري المؤلم. ومن هنا تظهر أهمية التفكير في نماذج حديثة مثل التقاعد المرن التي تسمح بالحفاظ على الخبرات دون تعطيل فرص الأجيال الجديدة. 

فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 

  1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل “الأرشيف الحي”، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة.
  2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك “حدساً” إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام.
  3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة “التنفيذ” اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح.

لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من “التقاعد الإجباري” وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى “التقاعد المرن” وفقاً للقدرة والعطاء.

وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة “الفجوة السلوكية” التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ “الخبراء” أو “المستشارين” في مؤسساتنا.

نحن نعاني من عدم وضوح في “تأهيل الأدوار” حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية، وهو تحول مهم لنجاح نموذج التقاعد المرن داخل المؤسسات:

فمن جهة، “الخبير المتقاعد” لم يتدرب على خلع “عباءة التنفيذي”. يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة “الأمر والنهي”، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو “الإضاءة” لا “القيادة”.

ومن جهة أخرى، “المدير التنفيذي” الشاب لم يتدرب على “كيفية استثمار الحكماء”. قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود.

لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من “لاعب” يسجل الأهداف، إلى “مدرب” حكيم يصنع النجوم.

حين نجمع بين “نظام تقاعد مرن” يحفظ الكفاءات، وبين “وعي سلوكي” يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا “ذاكرتها” و”حكمتها”، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من “هدر الثروة” البشرية، إلى “توارث الحكمة” بسلاسة ورقي.

مصنَّف ضمن:

التحليلات,