لو سألت رجل دين: “لماذا نشعر بالراحة حين نتصدق؟”، سيجيبك: “لأن الروح تسمو وتتصل بخالقها”. إجابة جميلة ومقنعة للمؤمن. ولكن، لو طرحت نفس السؤال على طبيب أعصاب ملحد في مختبر بزيورخ أو نيويورك، هل سيختلف الجواب؟ المفاجأة هي أن العلم المادي البحت وصل مؤخراً إلى نفس النتيجة التي نادت بها الأديان منذ آلاف السنين، ولكن بمصطلحات كيميائية: نحن مصممون بيولوجياً لنكون أسخياء. العطاء ليس “تضحية” مؤلمة كما يوحي المنطق الحسابي، بل هو ما يمكن تسميته علميًا بـ هرمون السعادة والعطاء، حيث يكافئنا الدماغ فورًا على فعل الخير..
كيمياء السعادة: “نشوة المساعدة”
في علم الأعصاب، اكتشف العلماء ظاهرة مدهشة تسمى “نشوة المساعدة” (Helper’s High). عندما تقوم بعمل خيري، يضيء دماغك في مناطق معينة تسمى “مراكز المكافأة”، وهي نفس المناطق التي تضيء عند تناول الطعام اللذيذ أو ممارسة الحب. في تلك اللحظة، يضخ الدماغ دفقات من مادة “الدوبامين” (هرمون المتعة) او هرمون السعادة والعطاء، مما يجعلك تشعر بنوع من “السُكر الطبيعي” والنشوة. الأمر لا يتوقف هنا. هناك لاعب آخر في الساحة يسمى “الأوكسيتوسين”، أو ما يُعرف شعبياً بـ “هرمون الحب”. هذا الهرمون هو المسؤول عن بناء الثقة والروابط الاجتماعية بين البشر. الدراسات أثبتت أن الأشخاص الذين لديهم مستويات أعلى من الأوكسيتوسين يميلون للكرم والعطاء بشكل أكبر. إذن، العبارة الشهيرة “يدفع ليرتاح” ليست مجازاً، بل هي حقيقة بيولوجية. هناك ما يسمى بـ “التوهج الدافئ” (Warm-glow giving)، وهو شعور غامر بالرضا يحصل عليه المتبرع لمجرد القيام بالفعل، بغض النظر حتى عن نتيجته.
لغز داروين: لماذا لم ينقرض الطيبون؟
لسنوات طويلة، كان “الإيثار” يمثل صداعاً لعلماء التطور. نظرية داروين تقول “البقاء للأقوى”، فلماذا يضحي كائن بموارده (طعامه أو ماله) لمساعدة غيره؟ ألا يفترض أن ينقرض هؤلاء “الطيبون” ويبقى “الأنانيون” الذين يحتفظون بكل شيء لأنفسهم؟ العلم الحديث حل اللغز عبر نظريتين عبقريتين:
- اصطفاء القرابة (Kin Selection): حين تساعد أقاربك، أنت تساعد جيناتك المشتركة معهم على البقاء.
- الإيثار المتبادل (Reciprocal Altruism): الطبيعة علمتنا معادلة “ساعدني اليوم أساعدك غداً”. المجتمعات التي يتعاون أفرادها تنجو وتزدهر أكثر من المجتمعات الأنانية المنعزلة.
بمعنى آخر: الطبيعة، عبر ملايين السنين، قامت بـ “برمجة” أدمغتنا لتكافئنا على العطاء، لأن العطاء هو وسيلة النجاة الجماعية للجنس البشري.
تطابق الوحي والعلم
ماذا يعني كل هذا؟ يعني أن تلك “الفطرة” التي تحدثنا عنها في المقال الأول ليست خرافة ميتافيزيقية، بل هي حقيقة محفورة في كيمياء أعصابنا وجيناتنا. “القانون الطبيعي” الذي تحدث عنه المسيحيون، و”الدارما” عند البوذيين، و”الفطرة” عند المسلمين، كلها تجليات لحقيقة بيولوجية واحدة: الإنسان كائن اجتماعي، لا تكتمل صحته النفسية والجسدية إلا بالخروج من “سجن الذات” إلى “رحابة العطاء”.
لقد أثبت المختبر صدق الوحي. العطاء هو “فيتامين” الروح والجسد معاً. ولكن، إذا كنا جميعاً نمتلك هذه “الأرضية المشتركة” البيولوجية والروحية، فلماذا لا نزال نتقاتل؟ ولماذا يعمل “الشيخ” في جزيرة منعزلة، و”الناشط العلماني” في جزيرة أخرى؟ ألم يحن الوقت لنستخدم هذا “الميراث المشترك” لبناء تحالفات تنقذ عالمنا المتهالك؟هذا ما سنناقشه في المقال الرابع والأخير: “نهاية ‘العمل الخيري المنعزل’: لماذا يجب أن يصافح ‘الشيخ’ يد ‘الناشط العلماني’ لإنقاذ العالم؟”.