حين تطرح فكرة تحويل أموال الزكاة إلى “مصانع” أو “مزارع” يملكها الفقراء بدلاً من توزيعها نقداً، غالباً ما يرتطم الحماس بجدار صلب من التردد الفقهي والمؤسسي. سيخرج صوت يقول: “ولكن، هل يجوز ذلك؟ أليست الزكاة حقاً للفقير يجب أن يوضع في يده؟”. غير أن هذا السؤال يقودنا إلى مفهوم جديد بدأ يفرض نفسه في الفكر الاقتصادي الإسلامي المعاصر، وهو مفهوم الزكاة الإنتاجية

وهذا التردد ليس بسيطاً، بل هو ما يمكن تسميته بـ “عقدة التمليك”. هذه العقدة، رغم نبل دافعها (الحفاظ على حق الفقير)، تحولت مع الزمن إلى قيد يمنعنا من تطوير أدواتنا الزكوية، بينما انطلقت دول إسلامية أخرى مثل ماليزيا وإندونيسيا لتبني ناطحات سحاب من التنمية بأموال الزكاة نفسها. لتبني نماذج تنموية ناجحة دون أن تتخلى عن مبدأ تمليك الزكاة للفقراء ولكن بصيغة أكثر فاعلية.

المعركة الفقهية: الحرفية مقابل المقاصد

أساس المعركة يدور حول حرف واحد في القرآن الكريم: حرف “اللام” في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ…﴾. الفريق التقليدي يرى أن “اللام” هنا تعني “الملكية الفردية المباشرة”؛ أي يجب أن تسلم المال بيد الفقير ليتصرف فيه كيف يشاء. المشكلة هنا أن الفقير، تحت ضغط الحاجة، سيستهلك المال في طعام وشراب، ويعود فقيراً كما كان. في المقابل، يرى الفريق التنموي المقاصدي أن “اللام” تفيد “الاختصاص والمنفعة”، وأن الغاية ليست “التمليك” بحد ذاته، بل “الإغناء”. ومن هنا ظهر مفهوم الزكاة الإنتاجية بوصفه محاولة لتحقيق المقصد الشرعي من الزكاة، وهو إخراج الفقير من الفقر لا مجرد تخفيف معاناته مؤقتاً، ويستدل أصحاب هذا الاتجاه بأن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم إبل الصدقة لمنفعة الناس (شرباً وتداوياً) دون أن يسلمهم رقاب الإبل. هذا الفهم المقاصدي هو الذي يفتح الباب واسعاً لنعطي الفقير “ماكينة خياطة” أو “قارب صيد” أو نؤسس له “ورشة نجارة”، بدلاً من إعطائه مالاً ينفد في أسبوع.

النموذج الماليزي: حين تتدخل الدولة

بينما نحن لا نزال نتجادل، حسمت ماليزيا أمرها حسمت ماليزيا أمرها عملياً عبر تبني برامج قائمة على الزكاة الإنتاجية. في ولاية سلانجور مثلاً، مؤسسة الزكاة ليست جمعية خيرية بسيطة، بل هي مؤسسة شبه حكومية تدار بعقلية الشركات الكبرى. ابتكروا برنامجاً رائداً يسمى “تنمية رواد الأعمال من الأصناف”. هم لا يعطون الفقير “شيكاً” ويمضون، بل يقدمون له حزمة متكاملة: رأس مال للمشروع، تدريب فني، متابعة إدارية، ومساعدة في التسويق. الهدف عندهم معلن وصريح: تحويل المستفيد من “مستحق للزكاة” اليوم إلى “دافع للزكاة” غداً. وقد نجحوا فعلاً في تخريج آلاف الأسر من دائرة الفقر بهذه المنهجية.

النموذج الإندونيسي: الزكاة الإنتاجية

وفي إندونيسيا، نجد نموذجاً آخر يسمى “الزكاة الإنتاجية”. التجربة هناك تتميز باللامركزية والشراكة المجتمعية. يطبقون مشاريع مثل تمليك “مواشي دوارة” للمجتمعات الساحلية والريفية، حيث تُعطى الأصول (الأبقار أو القوارب) للفقراء ليديروها بأنفسهم ويستفيدوا من إنتاجها. السر في نجاح هذه التجارب ليس فقط في “فتوى الجواز”، بل في إدراكهم لحقيقة اقتصادية غائبة عنا: رأس المال وحده لا يكفي. الدراسات أثبتت أن إعطاء الفقير مالاً أو حتى “مشروعاً” دون تدريب ومتابعة يؤدي للفشل في كثير من الأحيان. لذلك، تحولت مؤسسات الزكاة هناك من “صراف آلي” يوزع النقود، إلى “حاضنة أعمال” توفر الرعاية والتدريب والتوجيه.

الدرس القاسي

الفرق بيننا وبينهم ليس في “النصوص الشرعية”، فالقرآن واحد. الفرق يكمن في “الإرادة الإدارية” والفقهية للانتقال من عقلية “إراحة الضمير” (أعطه ليرحل) إلى عقلية “تحمل المسؤولية” (أعطه وعلمه وتابعه حتى يستغني). لقد أثبتت التجارب الآسيوية أن الزكاة يمكن أن تكون “محرك تنمية” جباراً إذا تحررت من القيود الشكلية، وإذا أديرت باحترافية.ولكن، لكي نطبق هذا النموذج في عالمنا العربي، نحن بحاجة لإعادة تعريف وظيفة “العاملين عليها”. هل موظف الجمعية الخيرية الحالي مؤهل ليدير “محفظة استثمارية” للفقراء؟ وهل نمتلك “خارطة طريق” تنفيذية تحول الجمعية من “مكتب توزيع” إلى “بنك تنمية”؟ هذا ما سنرسمه خطوة بخطوة في المقال الرابع والأخير: “وداعاً لـ ‘عامل الزكاة’ التقليدي: خارطة طريق لتحويل ‘المؤسسة الخيرية’ إلى ‘بنك تنمية'”

مصنَّف ضمن:

التحليلات,