في المقالات الثلاثة السابقة، قمنا برحلة معرفية طويلة لإثبات حقيقة واحدة: “العطاء” هو اللغة الأم للجنس البشري. أثبتنا ذلك عبر “الفطرة” في الإسلام، و”القانون الطبيعي” في المسيحية، و”الكارما” في البوذية، وأخيراً عبر “كيمياء الدماغ” في مختبرات العلم الحديث.

والآن، وبعد أن امتلكنا هذا الدليل الدامغ على أننا جميعاً – مؤمنين وملحدين، شرقيين وغربيين – نشترك في نفس “الشيفرة الأخلاقية”، يبرز السؤال السياسي والاستراتيجي الأهم: لماذا، إذن، لا نزال نعمل في جزر منعزلة رغم الحاجة الماسة إلى التعاون بين المنظمات الخيرية على مستوى عالمي؟؟

لماذا تصر الجمعيات الإسلامية على العمل داخل “الشرنقة الإسلامية”، وتنظر بريبة للمنظمات الدولية العلمانية؟ ولماذا تتعامل المنظمات الأممية مع المؤسسات الدينية بتعالي، وتعتبرها مجرد أدوات “تقليدية” عفا عليها الزمن؟ أليست هذه الفجوة هي العائق الحقيقي أمام التعاون بين المنظمات الخيرية الذي يمكنه مضاعفة الأثر الإنساني؟

وهم “النقاء الأيديولوجي”

مشكلة العمل الخيري المعاصر أنه وقع ضحية “الاستقطاب الأيديولوجي”. كل طرف يريد أن يحتكر الخير لنفسه. المتدين يرى أن عمله “لوجه الله” وعمل الآخرين “دنيوي”، والعلماني يرى أن عمله “حقوقي” وعمل المتدينين “تبشيري”. هذا الانعزال كان مقبولاً في الماضي. لكن اليوم، ونحن نواجه أزمات وجودية عابرة للحدود (أوبئة، تغيير مناخي، مجاعات كبرى)، فإن العمل المنفرد هو نوع من الانتحار الجماعي. الفقر لا دين له، والكوارث لا تميز بين مسجد وكنيسة.

قوة التحالفات الهجينة

الخبر الجيد هو أن الجليد بدأ يتكسر. الواقع الميداني أثبت أن التحالف بين “قوة الإيمان” و”كفاءة العلم” يصنع معجزات لا يستطيع طرف واحد تحقيقها بمفرده وأن التعاون بين المنظمات الخيرية لم يعد مجرد شعار بل ممارسة ناجحة على الأرض. لننظر إلى الأمثلة الواقعية التي رصدناها:

  • في غزة: تحالفت منظمة “الإغاثة الإسلامية” (بمرجعيتها الدينية) مع وكالة “الأونروا” (بمرجعيتها الأممية العلمانية) لتقديم العون في أصعب الظروف. الدين هنا لم يكن عائقاً، بل كان دافعاً.
  • في الصومال: عجزت المنظمات الدولية لسنوات عن محاربة ظاهرة “ختان الإناث”. الحل جاء حين تحالف “صندوق الأمم المتحدة للسكان” (UNFPA) مع “القادة الدينيين المسلمين”. المنظمة وفرت المعلومات الطبية، والشيوخ وفروا الشرعية الاجتماعية والدينية للتحريم. النتيجة كانت تغييراً حقيقياً في السلوك لم تكن أي حملة علمانية لتحققه وحدها. وهذا جوهر التعاون بين المنظمات الخيرية العابر للأيديولوجيات.
  • في إيران: تعاونت “اليونيسف” مع رجال الدين لتعزيز حقوق الطفل، مستفيدين من نفوذهم الروحي لتمرير مفاهيم الرعاية والحماية.

كيف ننجح معاً؟ (روشتة التعاون)

هذه النجاحات لم تأتِ بالصدفة، بل بنيت على قواعد واضحة للتعاون العابر للأيديولوجيا، وهي القواعد التي يقوم عليها أي تعاون ناجح بين المنظمات الخيرية:

  1. البحث عن “القيم المشتركة”: قد نختلف في “العقيدة” (من هو الله؟)، لكننا نتفق حتماً في “القيم” (حفظ الكرامة، رفع الألم، حماية الضعيف). هذه المساحة المشتركة كافية جداً للعمل.
  2. هدف عملي لا عقائدي: لنتفق على “إطعام الجائع” ونتوقف عن جدل “هل نطعمه باسم الإنسانية أم باسم الدين؟”. الغاية هي الإنسان.
  3. الثقة والاحترام: أن يتوقف العلماني عن اعتبار الدين “تخلفاً”، ويتوقف المتدين عن اعتبار العلمانية “مؤامرة”. الاعتراف بأن لكل طرف “ميزة نسبية” يكمل بها الآخر.

الخاتمة: العطاء كـ “دبلوماسية” للمستقبل

إن الاعتراف بـ “عالمية العطاء” ليس مجرد ترف فكري، بل هو مورد استراتيجي لحل مشاكل العالم. العطاء هو “الأرضية المحايدة” الوحيدة المتبقية في عالم ممزق بالحروب والصراعات. إنه اللغة التي يمكن أن يجلس بها الشيخ والحاخام والقس والناشط الحقوقي على طاولة واحدة، دون أن يتنازل أحدهم عن معتقده، بل لينطلق كل منهم من “فطرته” الخاصة نحو هدف واحد.

لقد حان الوقت لإنهاء عصر “العمل الخيري المنعزل”. التحديات أكبر من قدرة أي دين أو أيديولوجيا بمفردها. والمستقبل لمن يمد يده للمصافحة، لا لمن يبني الأسوار. هذا هو ميراثنا المشترك.. فلنستخدمه عبر التعاون بين المنظمات الخيرية الذي يصنع الفرق الحقيقي..

مصنَّف ضمن:

التحليلات,