المقدمة: استقالة غرين كـ “انكسار حضاري”

لم تكن استقالة النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين من الكونغرس مجرد خلاف سياسي، بل كانت تجسيداً حياً للسيناريو الذي رسمه كتابنا “اليمين الأمريكي بين القلق الوجودي وإعادة تشكيل النظام العالمي” حول “الطبيعة الفركتالية لعدم التوازن”. لقد كشفت الاستقالة أن “الطوفان الثقافي” يبتلع أبناءه، وأن الصدع الذي بدأ بين “قبائل الغضب” والمؤسسة قد تكرر الآن بنفس الحدة داخل الحركة الشعبوية نفسها.

استقالة غرين، التي جاءت في أعقاب خلافها العلني مع الرئيس ترامب حول ملف إبستين، تُمثل اللحظة التي انتقل فيها اليمين الأمريكي من “الحرب الأهلية الباردة” إلى مرحلة “التمرد المستقل” على قيادة الحركة نفسها.

أولاً: تشريح التفكك (العصبية والتمرد المستقل)

تحلل استقالة غرين أعمق نقطة ضعف في السلطة الكاريزمية لترامب، وتؤدي إلى تفكيك “العصبية الشعبوية” عبر محورين:

1. كسر التابو: “تسعير الخيانة السياسية”

  • الكشف الاستراتيجي: تجاوزت غرين مجرد الاستقالة لتحوّل نفسها إلى “الشهيدة الثورية”، مستخدمةً منصة تاكر كارلسون للإعلان عن كسر أخطر تابو في واشنطن: الولاء الأجنبي. أكدت غرين أن نواب الكونغرس “يُطلب منهم تكرار عبارة إسرائيل هي أعظم حليف لنا”، وأن هذا الولاء مفروض عليهم كـ “إجراء روتيني”.
  • الأثر: هذا الإعلان يصب مباشرة في سردية كتابنا “قبائل الغضب الشعبوية وتفكيك النظام القديم” ويؤكد لـ “قبائل الغضب” أن “الخيانة السياسية” ليست نظرية مؤامرة، بل “حقيقة” يفرضها اللوبي. هذا يشرعن الشعور بـ “تمرد الضرورة” ضد النظام السياسي بأكمله.

2. تآكل “السلطة الكاريزمية”:

  • الخطر: إن خلاف غرين مع ترامب حول ملف إبستين يثبت أن “الولاء الكاريزمي” لم يعد قادراً على احتواء “الولاء الأيديولوجي” (المناهض للمؤسسة). لقد اضطر ترامب للتضحية بغرين، مما أدى إلى فقدان ولاء قطاع من قاعدته الشعبوية التي رأت في غرين “الممثلة النقية” لمبادئ “أمريكا أولاً”.
  • النتيجة: هذا يمهد لولادة “يمينين”: يمين كاريزمي (ترامب) و يمين أيديولوجي نقي (غرين/كارلسون)، مما يزيد من “التصدع الداخلي” الذي يهدد تماسك الكيان.

ثانياً: سيناريوهات المستقبل (التمرد يتجاوز القيادة)

بناءً على “الطبيعة الفركتالية لعدم التوازن” و”القلق الوجودي” الذي يغذي هذا التمرد، فإن استقالة غرين تفتح الباب على سيناريوهات التفكيك التالية:

السيناريو أ: التمرد المستقل (انفصال الأيديولوجيا)

  • الآلية: لن تعود غرين كـ “نائبة مشاكسة”، بل كـ “مرشحة طرف ثالث” أو قائدة حركة من خارج الحزب الجمهوري. ستكون منصتها هي: “ترامب خان الأيديولوجيا، وأنا أخدم المبادئ”.
  • الانعكاس: هذا يضمن انقسام أصوات اليمين في الانتخابات الرئاسية القادمة، ويجعل من المستحيل على ترامب أو نائبه جاي دي فانس توحيد الحزب. إنها تمثل “إعلان حرب” على “الحزب المشترك” من داخل أعمق قواعده.

السيناريو ب: تعزيز “التفكيك الممنهج”

  • الآلية: خروج غرين من الكونغرس يضعف مقاومة “المؤسسة” الجمهورية لـ “جناح ماغا” الذي يسيطر على الإدارة التنفيذية.
  • الانعكاس: هذا يسهل عمل راسل فووت ومكتب الإدارة والميزانية (OMB) لتنفيذ خطة “تفكيك الدولة الإدارية” عبر المراسيم والأوامر التنفيذية (كتجميد 40 مليار دولار للتعليم والبيئة).

الخلاصة: نهاية “عقد الولاء”

استقالة مارجوري تايلور غرين هي دليل قاطع على أن “عقد الولاء” في اليمين الأمريكي قد انهار. “الطوفان” لم يعد يهدف فقط لهزيمة الديمقراطيين، بل يهدف إلى تدمير “الحرس القديم” في الحزب الجمهوري وإعادة بنائه بالكامل على أسس “قومية نقية”، حتى لو كان الثمن هو انشقاق الحركة الشعبوية على نفسها. هذا الانقسام هو الذي سيحدد ملامح الطبوغرافية السياسية الأمريكية لسنوات قادمة.