تُروى قصص عن تجار اللؤلؤ في الخليج، وعن صفقات ضخمة عُقدت لبيع محاصيل وتجارة عبرت البحار. أموال طائلة بمقاييس ذلك الزمان كانت تنتقل من يد إلى يد. ولكن، لو بحثت عن “الأرشيف الورقي” لتلك الصفقات، لن تجد شيئاً. لا عقود موثقة، لا محامين، لا شروط جزائية. كان العقد كله يختصر في كلمة واحدة تُقال في المجلس: “تم”. أو عبارة مقتضبة: “لك وجهي”.
هنا يجب أن نتوقف لنحلل المشهد بمعيار “الثقافة والهوية”. في ذلك الزمان، كانت “كلمة الرجل” هي الهوية. كانت هي الرجل نفسه، وشرفه، وتاريخ عائلته. إذا نطق الرجل بكلمة، فقد رهن “شاربه” (رمز رجولته ووجاهته) بها. كان “الشارب” في ميزان الثقة أثقل وأقوى من أختام كُتاب العدل اليوم.
انظر إلى حالنا اليوم. تطورت “الثقافة القانونية”، وكثرت مكاتب المحاماة، وأصبحت العقود تُكتب في عشرات الصفحات بخط دقيق لا يترك شاردة ولا واردة. وهذا تطور محمود وضروري؛ فالحياة تعقدت، والمصالح تشابكت، والقرآن أمرنا بالتوثيق: “يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين… فاكتبوه”. فالكتابة هي “أداة العصر” لحفظ الحقوق.
إذن، أين الخلل؟ الخلل ليس في أننا “كتبنا العقود” (ثقافة)، بل في أننا “مزقنا الضمائر” (هوية). المصيبة أننا استبدلنا “ضمير الوفاء” بـ “نص القانون”. أصبحنا نكتب العقود لا لنحفظ الحقوق، بل لنبحث عن “ثغرات” فيها. تحولنا من رجال يحترمون “الكلمة”، إلى أناس يحترمون “الورقة” فقط إذا عجزوا عن الالتفاف عليها. أصبح البعض يرى في التملص من الاتفاق “شطارة” و”ذكاء قانوني”، ونسي أنه في عرف الرجال والهوية الأصيلة يسمى “خيبة”.
نحن لا ندعو -بالتأكيد- إلى إلغاء العقود والعودة للعقود الشفهية، فهذا “سذاجة” في عالم اليوم. ولكننا نبكي على “الروح” التي كانت تسند تلك الكلمة.
المعادلة الصحيحة يجب أن تكون: “عقدٌ يوثق (ثقافة).. وكلمةٌ تُضمن (هوية)”. العقد الورقي يحمي “مالك”، لكن كلمتك الصادقة تحمي “قيمتك”. المحكمة قد تجبر خصمك على الدفع بقوة القانون، لكن “المروءة” هي التي تجعله يدفع وهو راضٍ ومحفوظ الكرامة.
ما أحوجنا اليوم لأن نعيد لـ “كلمة الرجل” هيبتها في نفوس أبنائنا وفي تعاملاتنا التجارية. أن نعلمهم أن “الوعد” دين، وأن “الموعد” مقدس. وأن الرجولة ليست في الصوت العالي، بل في الالتزام بما قلت، ولو كان فيه خسارتك المادية. فالخسارة المالية تعوض، ولكن إذا سقطت “كلمة الرجل”، سقطت معها هيبته، ولا يوجد مال في الدنيا يمكنه أن يشتري “الثقة” مرة أخرى.فلنكتب عقودنا، ولنوثق ديوننا بأحدث الوسائل، نعم.. ولكن لنتذكر دائماً أن الضمان الحقيقي ليس “الحبر” الذي على الورق، بل هو “المعدن الأصيل” الذي في القلوب.