تُنفق الحكومات والمؤسسات الكبرى مبالغ طائلة على الاستشارات الإدارية في الخليج، ثم تجد نفسها أمام تقارير مُحكمة الإخراج، خفيفة الأثر. ليس لأن الاستشاريين عديمو الكفاءة، بل لأن ثمة فجوة هيكلية وثقافية عميقة لم تُعالَج بعد.
الشركات الكبرى لا تتشابه في طريقة تفكيرها. ماكنزي تعمل باستنباط مسبق — تبني فرضيتها قبل أن تجمع البيانات، ثم تستخدم البيانات لإثباتها. في السياق الاستشارات الإدارية في الخليج، هذا يترجم إلى بيع “اليقين”: الوزير لا يشتري حلاً بقدر ما يشتري ختم ماكنزي الذي يوحي بأن أذكى عقول العالم قد بتّت في المسألة. مجموعة بوسطن جروب BCG في المقابل تبيع “طريقة التفكير” لا الحل ذاته، وهو ما يجعلها أكثر تغلغلاً عبر الزمن. أما رولاند بيرجر فتلعب ورقة “الحياد الأوروبي” في القطاعات السيادية الحساسة التي تتحاشى الاعتماد الكلي على الشركات الأمريكية.
هذه الفلسفات المختلفة ليست خلفيات أكاديمية — هي أدوات تسويقية تُخاطب نفسية صانع القرار، وكثيراً ما تُنتج حلولاً تعكس ما تؤمن به الشركة أكثر مما يحتاجه العميل. وهي إشكالية بارزة في الاستشارات الإدارية في الخليج
المشكلة الأعمق تكمن في ما يمكن تسميته “العمى السياقي”. حين تأتي إحدى هذه الشركات بخطة لإصلاح قطاع التعليم أو الصحة، تبني خططها على افتراض وجود بيروقراطية عقلانية مشابهة لما في الدول المتقدمة. لكن الواقع مختلف جذرياً؛ الهيكل التنظيمي الرسمي غالباً ما يكون واجهة، فيما تكمن السلطة الحقيقية في الشبكات غير الرسمية والعلاقات الشخصية. النتيجة: مشاريع تبدو مثالية على الورق تصطدم بجدار الجمود البيروقراطي بمجرد خروج المستشارين من الغرفة. ، وهو ما يفسر تعثر كثير من مشاريع الاستشارات الإدارية في الخليج.
يُضاف إلى ذلك البُعد الثقافي الذي تكشفه الدراسات الأكاديمية المتخصصة: ثقافة “بُعد السلطة” تدفع الاستشاري — بوعي أو بغيره — نحو إرضاء صاحب القرار لا تقديم التشخيص الحقيقي. التقرير النهائي يعكس ما أراد المدير سماعه، والخسارة الحقيقية لن تظهر إلا بعد سنوات. أما المعمار والتخطيط العمراني فمثال صارخ على هذا الخلل — حين يُصمَّم الفضاء وفق رؤية غربية لمجتمع فردي مفتوح، دون مراعاة قيم مجتمع محافظ يُعلي من الخصوصية والتجمّع العائلي، لا تُنتج المباني إلا فراغاً اجتماعياً.
الشركات المحلية الناجحة أدركت مبكراً أن الفجوة الحقيقية ليست لغوية، بل إدراكية. الشركات الكبرى تتحدث لغة مؤشرات الأداء والتآزر والتحسين، بينما يتحدث الموظف الحكومي لغة الصلاحيات والميزانية وتجنب المخاطرة. ما ينقص ليس ترجمة شرائح العرض، بل ترجمة المنطق ذاته.
هنا تكمن قيمة وحدة الوساطة الداخلية Intelligent Client Unit (ICU) — كيان متخصص داخل المؤسسة مهمته: تحويل احتياج المؤسسة إلى طلب استشاري واضح، واختيار الاستشاري الأنسب منهجياً وثقافياً لا الأرخص، وتقييم المخرجات بمعايير موضوعية بعيداً عن إرضاء القيادة، وضبط حدود المعلومات التي تُتاح حمايةً للمؤسسة من خطر الانكشاف المعلوماتي. ولعل هذه الوحدة تكون مركزية في مجلس الوزراء لتقديم الخدمة لكل الوزارات. بما يعزز كفاءة الاستشارات الإدارية في الخليج.
الإمارات سبقت إلى هذا عبر مركز الإمارات للمعرفة والاستشارات، وشركات عالمية كبرى من IBM إلى Maersk بنت وحدات مماثلة تُثبت يومياً جدواها. النموذج موجود، والحاجة ماسّة.
الاستشارة بلا وسيط يفهم السياق المحلي هي رهان مكشوف. والفارق بين مشروع يُغيّر الواقع ومشروع يُزيّن الرفوف ليس في ميزانية الاستشارة — بل في وجود من يعرف كيف يطرح السؤال الصحيح قبل أن يُقدَّم أي جواب.