تخيل السيناريو التالي: أنت رجل أعمال عصامي، قضيت سنوات في بناء ثروتك، والآن تبحث عن فريق عمل لشركتك الجديدة ليدير استثمارات تقدّر بالملايين. هل ستضع إعلاناً تبحث فيه عن “أرخص” محاسب في السوق؟ هل ستكتفي بمدير مالي يرضى بأقل راتب ممكن؟ أم أنك ستنقب عن “الأكفأ” و”الأذكى”، وتغريهم برواتب تنافسية ومزايا استثنائية لأنك تدرك يقيناً أن جودة المؤسسة هي المحصلة النهائية لكفاءة جميع أفرادها؟ الإجابة في عالم التجارة والمال لا تحتمل التأويل؛ فالمحترف يوفر عليك أضعاف راتبه، بينما “الهاوي” قد يكلفك ضياع رأس المال كله. 

لكن، وبشكل يثير الدهشة، حين ننتقل إلى القطاع الخيري، تنقلب الآية تماماً؛ فنحن هنا نأتمن جمعيات على تبرعات بالملايين، وأوقاف تاريخية، ومصائر آلاف الأيتام، ومع ذلك، نبحث في كافة المستويات الوظيفية عن موظفين يرضون بـ “الفتات” أو “المكافآت الرمزية” بحجة أنهم يعملون “لوجه الله”. هذه الازدواجية الخطيرة في المعايير هي ما أصطلح على تسميته “خرافة الموظف الزاهد”؛ وهي الصنم الفكري الذي كبّل مؤسساتنا الخيرية لسنوات، ومنعها من التحول إلى قوة تنموية حقيقية قادرة على تغيير وجه المجتمعات.  وتحقيق تمكين العمل الخيري الذي ننشده جميعاً.

إننا نعيش اليوم عصر “بناء التمكين “؛ تمكين العمل الخيري وهي منظومة تقنية وإدارية معقدة لا يمكن أن تقوم على كاهل مدير واحد “سوبرمان”، بل تتطلب “فريقاً نوعياً” متكاملاً في كافة الدرجات الوظيفية، من المبرمج الذي يحمي البيانات إلى المحاسب الذي يدقق في “المشاركة المتناقصة”. وحين نبخل كصناع قرار أو كمجتمع في بناء سُلّم رواتب عادل وتنافسي يغطي كافة المستويات، فإننا نتسبب في “نزيف عقول” لا يتوقف؛ وهو ما يعيق بشكل مباشر تمكين العمل الخيري ويحد من أثره الحقيقي.

تشير الأرقام إلى أن معدل دوران الموظفين في القطاع غير الربحي يصل إلى 19%، وهو ما يقارب ضعف القطاع الخاص. المبدعون في كل الأقسام يهربون للشركات والبنوك التي تقدر مواهبهم، مما يترك الجمعية في حالة “تدريب دائم” للمبتدئين الذين يغادرون بمجرد اكتساب الخبرة، ويدفع الثمن في النهاية “اليتيم” و”المسكين” جراء تعثر المشاريع بقلة الكفاءة. 

إن الرخيص في هذا القطاع مكلف جداً؛ فالعمل الخيري الحديث لم يعد مجرد توزيع أرز وسكر، بل أصبح علماً يشمل “براءات الاختراع الوقفية” وحماية “أصول الزكاة” عبر تقنيات “البلوك تشين” (Blockchain) — وهي سجلات رقمية مشفرة تمنع التلاعب وتضمن الشفافية المطلقة. إدارة هذه الأدوات تتطلب محاسباً محترفاً ومبرمجاً خبيراً، وبدونهم سنظل ندور في حلقة المخرجات (Outputs) البسيطة، بدلاً من تحقيق النتائج التنموية (Outcomes) المستدامة. التي تمثل جوهر تمكين العمل الخيري. 

لننظر إلى الأرقام بإنصاف: إحدى المؤسسات الخيرية الكبرى، حين قررت كسر هذه الخرافة ورفعت سقف رواتبها بنسبة 40% لاستقطاب خبراء من القطاع المصرفي والتقني، استطاعت في غضون عامين فقط مضاعفة عدد الأسر التي انتقلت من “الاحتياج” إلى “الإنتاج” بنسبة مذهلة. لماذا؟ لأن عقلية “المحترف” استطاعت تقليص الهدر الإداري، وابتكرت حلولاً استثمارية لأموال الوقف ولدت عوائد لم تكن تخطر على بال “الهواة”.  وهو ما يجسد عملياً معنى تمكين العمل الخيري.

تمكين العمل الخيري

لقد آن الأوان لنكسر هذا الصنم الفكري؛ فالإحسان في ديننا يعني الإتقان، والإتقان يتطلب “القوي الأمين” في كل موقع. إن الموظف الذي يتقاضى راتباً عالياً ويحقق أثراً اجتماعياً مضاعفاً، هو أرخص بكثير على أموال الزكاة من موظف “متطوع” أو براتب زهيد يهدر الفرص التنموية بجهله أو بقلة خبرته.  ويؤخر مسار تمكين العمل الخيري الذي نطمح إليه.

مصنَّف ضمن:

التحليلات,