في ذاكرة مجتمعنا الخليجي، هناك صورة نمطية جميلة للقائد أو الوجيه أو كبير العائلة. ليست صورته وهو يجلس على كرسي فخم، بل صورته وهو يجلس في “صدر المجلس”، والباب الخشبي الكبير مشرعٌ على مصراعيه، ودلال القهوة مصفوفة على النار.
كانت هذه الصورة تجسيداً حقيقياً لما يُعرف اليوم بـ سياسة الباب المفتوح في الادارة، حيث لم يكن الوصول إلى المسؤول ترفاً بل حقاً اجتماعياً أصيلاً.
لم يكن هناك “حارس أمن” عند البوابة يسألك عن هويتك. لم يكن هناك “مدير مكتب” يسألك: “هل عندك موعد؟”. لم تكن هناك حواجز زجاجية، ولا بطاقات ممغنطة.
كان “الوصول” متاحاً للجميع. يدخل الغني والفقير، صاحب الحاجة وعابر السبيل. كان المعيار الوحيد للدخول هو أن تلقي السلام، وتأخذ مكانك في المجلس، وتشرب فنجانك، ثم تطرح موضوعك.
كانت “سياسة الباب المفتوح” هذه ليست مجرد فوضى أو قلة تنظيم كما قد يظن البعض اليوم. بل كانت رسالة سياسية واجتماعية عميقة تقول: “نحن منكم، ومجلسنا مجلسكم، ولا خير فينا إن احتجبنا عنكم”. كان “القرب” من الناس هو المصدر الحقيقي للشرعية والهيبة، وليس “البعد” عنهم.
أما اليوم، فلننظر إلى حالنا. تحت شعار “التنظيم” و”إدارة الوقت” و”الاحترافية”، بنينا قلاعاً وحصوناً حول أنفسنا. المسؤول الذي كان والده يستقبل الناس في مجلسه كل صباح، أصبح اليوم لا يُرى إلا في المناسبات الرسمية، والوصول إليه يحتاج إلى “عريضة طلب”، وموعد إلكتروني، ومرور عبر ثلاثة سكرتارية، وغالباً يأتيك الرد الآلي: “المدير في اجتماع”.
لقد استبدلنا “سياسة الباب المفتوح” بـ “سياسة الباب المغلق بإحكام”.
المفارقة المؤلمة هي أننا نعيش في عصر “ثورة الاتصالات”. نملك هواتف ذكية، وواتساب، وبريداً إلكترونياً. نظرياً، يجب أن نكون أكثر تواصلاً. لكن عملياً، استخدمنا هذه التقنية لـ “فلترة” الناس ولزيادة العزلة. أصبحنا نرى الرسائل ونتجاهلها، ونستخدم “حظر” و”صامت” لنبني جدراننا الإلكترونية.
ليس من المنطق أن يعود الوزير أو المدير لاستقبال الناس 24 ساعة في بيته، فظروف الحياة تغيرت، والأعمال تضخمت، والوقت ضاق. التنظيم مطلوب، والمواعيد ضرورية لإنجاز العمل. ولكننا نحذر من أن يتحول “التنظيم” إلى “تعالي”. نحذر من أن يصبح “الانشغال” شماعة نعلق عليها هروبنا من الناس ومسؤولياتنا تجاههم.
القيادة، سواء في شركة أو وزارة أو حتى في العائلة، ليست في الجلوس في البرج العاجي وإصدار الأوامر عبر الإيميل. القيادة هي “الاحتكاك” بالواقع. هي أن تسمع “أنين” صاحب الحاجة مباشرة دون “فلتر” التقارير المجمّلة. هي أن تطبق سياسة الباب المفتوح – ولو لساعة في الأسبوع – ليدخل عليك من لا يحمل “موعداً” مسبقاً، فتسمع منه ما لا يجرؤ أحد غيره على قوله. وما أجمل نظام الإدارة الياباني الذي يقدّس “الميدان”.
يا من أغلقتم الأبواب.. تذكروا أن “الهيبة” الحقيقية ليست في صعوبة الوصول إليكم، بل في “التواضع” لمن وصل إليكم. وتذكروا حكمة الأوائل: “من لانت كلمته، وجبت محبته.. ومن فتح بابه، كثر أحبابه”. فلا تغلقوا الأبواب تماماً، حتى لا تجدوا أنفسكم يوماً وحيدين خلفها.