يتصل المواطن بالوزارة فيُحال إلى جهة أخرى، يتصل بتلك الجهة فيُحال إلى ثالثة، وفي نهاية المطاف يصل إلى طريق مسدود والمشكلة لا تزال قائمة. هذا المشهد ليس استثناءً في الخدمات الحكومية في قطر، ، بل بات نمطاً مألوفاً يعانيه المواطن والمقيم على حدٍّ سواء.
الخلل ليس في غياب الإرادة، ولا في شح الموارد. قطر تمتلك من الإمكانات ما يكفي لتقديم خدمات تُنافس أرقى دول العالم. الخلل بنيوي: لا توجد جهة مستقلة ومحايدة تقف بين المواطن والجهاز الحكومي، تسمع وتُلزم وتُتابع.
مفهومان مختلفان… وقطر تحتاج كليهما
في النقاش المتخصص يُفرَّق عادةً بين نموذجين: الأول هو Regulator أو الجهة التنظيمية، وهي هيئة تضع معايير الأداء وتُطبّقها على القطاع بأسره قبل أن تقع المشكلة — نموذج استباقي بامتياز. والثاني هو Ombudsman أو المدافع العام، وهو جهة تتلقى شكاوى الأفراد وتُنصفهم بعد أن تسوء الأمور — نموذج تفاعلي يُعالج الضرر الواقع.
كثيرون يخلطون بين المفهومين، وهذا مفهوم، إذ يتكاملان في الغاية ذاتها. لكن الأجدى لتطوير الخدمات الحكومية في قطر اليوم ليس الاختيار بينهما، بل اعتماد النموذج المُركّب الذي يجمعهما في منظومة واحدة: Ombudsman يُنصف المواطن فوراً، وRegulator يمنع تكرار المشكلة مستقبلاً.
التجربة موجودة ولا داعي لاختراع العجلة
هذا النموذج المُركّب ليس ترفاً فكرياً، بل واقع مُطبَّق. بريطانيا تعتمده منذ عقود؛ Parliamentary Ombudsman لشكاوى المواطنين، وهيئات تنظيمية متخصصة كـ OFWAT للمياه وOFGEM للطاقة . كذلك سلطنة عُمان التي بدأت بمكتب Ombudsman ثم طوّرت هيئة تنظيم الخدمات العامة لاحقاً، فأثبتت فاعلية ملموسة في قطاعَي الكهرباء والمياه.
الأذكى في التطبيق أن تبدأ قطر بالـ Ombudsman، لأنه أسرع في البناء، وأوضح للمواطن، وأقل تعقيداً من الناحية التشريعية. ثم تنضج تدريجياً نحو الهيئة التنظيمية القطاعية حين تتراكم البيانات وتتضح أنماط الخلل. بما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات الحكومية في قطر.
أين تبدأ قطر؟
المنطق يقتضي البدء بالقطاعات الأكثر تأثيراً في الحياة اليومية: الكهرباء والمياه، والبنية التحتية والبلديات، والخدمات الصحية. وبما أن أكثر من ثلاثة أرباع سكان قطر من المقيمين الأجانب الذين لا يملكون قنوات تأثير تقليدية، تُصبح هذه المنظومة ضرورة اجتماعية قبل أن تكون خياراً إداريا لتحسين الخدمات الحكومية في قطر. ً.
أبسط ما يمكن أن تبدأ به: منصة رقمية موحدة تستقبل جميع الشكاوى، تُوزّعها على الجهات المختصة، وتُتابعها علناً حتى الإغلاق. البنية الرقمية لقطر — من Metrash وما بعده — تجعل هذا ممكناً اليوم قبل الغد.
الفرق بين دولة تُقدّم خدمات جيدة ودولة تُقدّم خدمات استثنائية ليس في الميزانية، بل في وجود من يحرص على أن تصل هذه الخدمات كما وُعد بها. تطوير الخدمات الحكومية في قطر لا يكتمل دون وجود جهة تُنصف المواطن وتمنع تكرار الخلل.
الهيئة التنظيمية والمدافع العام معاً ليسا نقداً لما هو قائم، بل هما الخطوة المنطقية التالية نحو دولة تليق بمكانة قطر وطموح قيادتها.