في المدينة الإسلامية القديمة، لا تُقرأ العمارةُ بوصفها حجرًا صامتًا، بل بوصفها جُملًا مكتملةَ الإعراب: لكل واجهةٍ فاعلٌ واقفٌ غاب، وفعلٌ إحسانٌ بقي، ومفعولٌ مدينةٌ ما تزال تتنفّس أثره. أستلهم في هذه القراءة حدسًا لجمال حمدان، ذلك العالم الملهِم الذي دعا الجغرافيا أن تنتقل «من تشريح جسم الإقليم إلى معرفة روحه»؛ غير أن الروح التي أقصدها ليست روح النيل ولا التضاريس، بل روحٌ مؤسسيةٌ قلّما تلتفت إليها عين الجغرافي: إنها روح الوقف.

لقد اعتدنا أن نختزل الوقف في الصدقة الجارية، فنراه فعلًا أخلاقيًا فرديًا ينتهي عند باب المسجد. لكنّ الوقف، حين نتأمّله بعين العمران، قوّةٌ جغرافيةٌ منتِجةٌ للمكان؛ إنه المفصل الذي يلتقي عنده المبنى والمعنى. وهنا يتجلّى بوضوح دور الوقف في العمران الإسلامي؛ فمعنى التأبيد والتسبيل — حبسُ الأصل وتسبيلُ المنفعة أبدًا — لا يبقى معنىً مجرّدًا معلّقًا في بطون الكتب، بل يتجسّد سبيلًا يروي العطشى، ومدرسةً تُخرّج العلماء، وبيمارستانًا يداوي المرضى، ومكتبةً تحفظ التراث. هكذا ينزل الحكمُ الفقهيُّ من صفحة المتن ليصير نسيجًا حضريًا يمشي الناس فيه.

ومن هذا المفصل وُلدت أحياؤنا. لم تكن النواة الأولى للحيّ سوقًا نبت عشوائيًا، بل مجمّعًا وقفيًا محكمًا: جامعٌ في القلب، تحفّ به مدرسةٌ وسبيلٌ وكُتّابٌ وبيمارستان، ثم — وهنا الدهاء كله — سوقٌ ووكالةٌ ورُبعٌ سكنيٌّ تُدِرّ ريعًا يسدّ نفقات تلك العمائر الخيرية. أيْ أن المدينة بنت اقتصادًا ذاتيّ التغذية: تُطعِم المستغلّاتُ التجاريةُ العمائرَ الخيرية، فلا تنتظر هذه عطاءَ سلطانٍ يجود اليوم ويبخل غدًا، ولا ميزانيةَ خزانةٍ تتقلّب بتقلّب الدول. ولم يقف أثره عند المباني، بل امتدّ إلى شبكة الطرق ومجاري المياه ومواقع الأسبلة، فرسم مسارات الناس وأماكن لقائهم، حتى صار مهندسًا خفيًّا لحركة المدينة كلها. وهذا جانبٌ آخر من دور الوقف في العمران الإسلامي الذي لم يقتصر على تشييد المنشآت، بل شمل تشكيل الجغرافيا الاجتماعية والحضرية للمدينة. سِرْ في شارع المعزّ بالقاهرة تجد مجمّعات المماليك متراصّةً كآياتٍ في سورة، أو تأمّل الكُلِّيّةَ العثمانيةَ بإسطنبول، يتكشّف لك المنطقُ نفسه: المدينة تُكتَب وقفًا، حجرًا فوق حجرٍ ومعنىً تحت معنى

ولم يكن ما يُكتَب حجرًا فحسب، بل علاقاتٍ ونسيجًا اجتماعيًا. فالحيُّ الذي تنتظمه عمارةٌ وقفية يصير جماعةً متكافلة: غنيٌّ يحبس، وفقيرٌ ينتفع، وعابرُ سبيلٍ يجد السقاية والمأوى، وطالبُ علمٍ يجد الرواق والكتاب. وكان حُسنُ العمارة نفسه عبادةً وإحسانًا لا ترفًا ولا تباهيًا، إذ يبني الواقفُ أبهى ما يقدر عليه ابتغاءَ وجه الله، فتأتي المدينة جميلةً لأن الجمال فيها كان قُربة. هكذا كتب الوقفُ القيمةَ قبل الحجر، والمعنى قبل المبنى.

المدينة تُكتَب وقفًا، حجرٌ فوق حجرٍ ومعنىً تحت معنى

وهذا يكشف وجهًا للوقف ظُلِم بطول التغييب: أنه لم يكن آليةً لإدارة الفقر وتوزيع الفُتات، بل أداةً لتمويل العمران وصناعة المدينة وتثبيت أركان الحضارة. ويمثل هذا جوهر دور الوقف في العمران الإسلامي عبر القرون؛ فبه شُقّت الطرق، وأُجريت المياه إلى الأحياء، وقامت مؤسسات العلم والطبّ والإيواء، لا بوصفها مِنَحًا موسميةً تُمنّ على الناس وتنقطع بانقطاع المانح، بل بنيةً تحتيةً مؤبَّدةً عابرةً للدول والعصور. لقد كان الوقف، في جوهره، صيغةً حضاريةً لتمويل التنمية قبل أن يعرف العالم هذا المصطلح بقرون، ونموذجًا في الاستدامة قبل أن تصير الاستدامةُ شعارًا؛ بل جمع ما عجز عن جمعه كثيرٌ من نظمنا الحديثة: الكفايةَ الاقتصادية والغايةَ الأخلاقية في مؤسسةٍ واحدة.

ثم جاء العصر الحديث فصادر القلمَ وأبقى الحجر. فمع تأميم الأوقاف، وحصرها في وزاراتٍ بيروقراطية، وتجفيف منابع الوقف الأهليّ، انقطعت المدينةُ عن المؤسسة التي كانت تكتب نسيجها وتجدّد روحها كلّ جيل. فنشأت مدائننا الجديدة بلا طبعٍ ولا ذاكرة، عمائرَ تتشابه من الرباط إلى المنامة حتى لا تكاد العين تميّز بينها. وصار العمران العربي المعاصر أقربَ إلى «اللامكان» منه إلى المكان: مبانٍ بلا معنى، وحجرٌ بلا روح، ومدينةٌ نشيّدها ولا نكتبها.

على أنّ خليجنا ما يزال يحتفظ ببقايا حيّةٍ من «المعنى»: سوقُ واقفٍ في الدوحة الذي يكاد اسمُه ينطق بالوقف، وحيُّ مشيرب الذي أعاد إلى العمارة القطرية طبعَها وذاكرتها، وغيرهما من أماكن المعنى في مدننا. فما أجدرنا أن نصل الاسمَ بالمسمّى، فنوقِف هذه الأماكن وقفًا حقيقيًا — لا حجرًا نتفرّج عليه ميتًا، بل مؤسسةً حيّةً تُنفِق على نفسها وتُحيي ما حولها — حتى نجمع المبنى إلى معناه، ونسير في ذلك على نهج السابقين الذين ما بنوا إلا ليُبقوا.

وهنا يطلّ السؤال الذي يلاحقني ولا يفارقني: إذا كان الوقفُ العينيُّ — بأرضه وحجره — قد كتب المدينة الحجرية، فماذا عساه يكتب الوقفُ غيرُ العينيّ في بيئةٍ رقميةٍ لا أرض فيها ولا حجر؟ وهل يقدر وقفٌ بلا جسدٍ ماديّ أن يصوغ «عمرانًا» جديدًا — معرفيًا ورقميًا — له طبعٌ وروح؟ لعلّها مسألة جيلنا بأسرها: أن نعيد إلى الوقف قلمه، لا ليكتب حجرًا هذه المرة، بل ليكتب معنىً في زمنٍ تكاثر فيه المبنى وندَر فيه المعنى.

مصنَّف ضمن:

التحليلات, عام,