وصل ذات مساء إلى فندق فاخر في الدوحة خبيرٌ غربي متعب، في حقيبته استمارات تقييم وفي رأسه يقين راسخ. مهمته: قياس “نضج المجتمع المدني” في دولة خليجية. بعد أسبوع من اللقاءات والتقارير، كتب في خلاصته بخط واثق: “المجتمع المدني هنا ضعيف وهش.”
لم يكذب الرجل. لكنه أخطأ المسطرة.
جاء يبحث عن نقابات تضرب وجمعيات تصرخ ومنظمات تتظاهر في الشوارع. لم يجد شيئاً من ذلك، فحكم بالغياب. وكأن طبيباً جاء ليفحص قلباً، فلأن الصدر لا يُحدث صوتاً عالياً، أعلن أنه ميت — وهو ينبض.
مشكلتنا الحقيقية ليست في غياب العمل المدني، بل في استيراد المسطرة مع البضاعة. لقد تعاملنا مع “المجتمع المدني” كهاتف آيفون: منتج مُعبّأ يعمل بنفس الطريقة في نيويورك والرياض وأديس أبابا. وعندما لم “تعمل” نسختنا بالطريقة ذاتها، حكمنا على أنفسنا بالتخلف.
منشأ مفهوم المجتمع المدني
لكي نفهم سر هذا الاختلاف، علينا أن نتذكر أين نبتت البذرة. مصطلح “المجتمع المدني” لم ينزل من السماء؛ نبت من الأرض الأوروبية عبر مخاض عسير. حين كانت الطبقة البرجوازية — التجار والصناع والمحامون — تختنق تحت ثقل الملوك والكنيسة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، اخترعت لنفسها “منطقة عازلة” تتنفس فيها بعيداً عن السلطتين. هذه المنطقة هي ما أسماه هيغل لاحقاً “المجتمع المدني”. إذن، الفكرة الأصيلة للمفهوم الغربي قائمة على الصراع مع الدولة، وانتزاع الحقوق منها بالضغط والمناصرة. إنه مصمم ليكون نداً ورقيباً.
لماذا لا تصلح المسطرة في الدوحة؟
هل نشأ مجتمعنا الخليجي عبر صراع طبقي بين تجار وملوك إقطاعيين؟ بالطبع لا. العقد الاجتماعي هنا نُسج من خيوط مختلفة تماماً. العلاقة بين الدولة والمجتمع ليست علاقة “صراع”، بل علاقة “رعاية”. الدولة هي الراعي الذي يوزع الثروة، والمجتمع ينتظم عبر ولاءات قبلية وعائلية لا تهدف لمنازعة الدولة بل للتعاون معها. لذلك حين لا يجد الخبير “صراعاً”، يظن أننا متخلفون. والحقيقة أننا نمتلك مجتمعاً مدنياً نشطاً جداً، لكنه يعمل بشيفرة مختلفة: المجالس التي يتداول فيها الرأي في عمق يفوق أحياناً ما يجري في البرلمانات، والأوقاف والجمعيات الخيرية التي تسد ثغرات لا تراها الدولة. هذا مجتمع مدني متكيف مع بيئته، لا مجتمع مدني ضعيف.
خطورة استيراد الحلول
الإصرار على نقل النموذج الغربي — الذي يُقدّس الصدام والاستقلالية التامة — وزراعته قسراً في بيئة تُقدّس التوافق والانسجام، يشبه محاولة تشغيل برنامج في جهاز لم يُصمم له؛ النظام سيتعطل لا محالة. وقد أدى هذا الفهم القاصر إلى تمويل جمعيات “صراعية” لا جذور لها في المجتمع، وإهمال الهياكل التقليدية الأصيلة التي تحرك الناس فعلاً.
السؤال إذن ليس: “متى نصبح مثل فرنسا؟” السؤال الأصح والأجرأ: “كيف نفهم نموذجنا الخاص ونُطوّره؟” المجتمع المدني ليس قالباً مقدساً، بل هو وظيفة. في الغرب: مراقبة الدولة. في الشرق: مساعدة الدولة وحفظ تماسك المجتمع. وكلتا الوظيفتين نبيلة ومشروعة.