في مدينةٍ من البنّائين المهرة، كلٌّ يُتقن لبنته، قد لا يقوم بناء؛ فالإتقانُ في الجزء لا يصنع وحده كلًّا، ما لم يكن ثَمّ مهندسٌ يرى الصورةَ كاملةً قبل أن تُوضع أوّلُ حجر. وهذه، في ظنّي، حالُ معرفتنا اليوم: تخصّصاتٌ بارعةٌ، كلٌّ في زاويته، وقلّ من يرفع رأسه ليسأل: ليسأل عن التكامل المعرفي وأين المعنى الذي تجتمع عنده هذه الزوايا؟ وكأنّ كلَّ علمٍ بحرٌ مغلق، يُتقن أهلُه السباحةَ فيه ولا يكادون يعرفون أنّ ثَمّ محيطًا يصل البحار. لقد أتقنّا صناعةَ المتخصّص، وأهملنا صناعةَ الجامع، فأنجبنا من يعرف الكثيرَ عن القليل، وفقدنا من يلمّ الشتاتَ في معنى يحقق التكامل المعرفي المنشود.

وأصلُ العلّة أنّ علمنا الحديث كافأ التحليلَ ونسي التركيب. فالتحليلُ — تفكيكُ الكلّ إلى أجزائه — مهارةٌ تُمدح وتُجزى عليها الدرجاتُ والمناصب؛ أمّا التركيبُ — إعادةُ جمع الأجزاء في معنى — فعملٌ قلّ من يكافئه، حتى ظُنّ تطفّلًا أو إنشاءً. وهكذا تكاثر المشرّحون وندَر المؤلّفون، وصرنا أبرعَ ما نكون في تقطيع الشيء، أعجزَ ما نكون عن تأليفه وتحقيق التكامل المعرفي بين أجزائه؛ نعرف كلَّ شيءٍ عن العضو ولا نعرف الجسد. ولا عجب أن صار العالِمُ الجامعُ نادرًا كالعملة القديمة: مهيبًا في المتاحف، عزيزًا في السوق.

ولستُ أرمي التخصّصَ نفسه؛ فهو ضرورةُ العمق، وما تقدّم علمٌ إلا بمن نذر عمره لزاويةٍ واحدةٍ يُسبَر غورُها. إنما الداءُ في التشظّي: حين تنقلب التخصّصاتُ إلى جزرٍ معزولةٍ لا يتحاور أهلها، فيصير الخبيرُ عميقًا في إصبعه، أعمى عمّا وراءها بأصبع. وأخطرُ ما يكون حين يُشرّع للكلّ من جزئه، فيُفتي الاقتصاديُّ في الإنسان وكأنه رقم، والتقنيُّ في المجتمع وكأنه آلة. ومشكلاتُنا الكبرى — التنميةُ والهويةُ والعمران — تكامليةٌ بطبعها، تأبى أن تُحَلّ بأداةٍ واحدة؛ فإذا قاربناها مشظّين قدّمنا لها حلًّا مبتورًا يشفي عضوًا ويُمرض الجسد، ثم نعجب من الإخفاق.

ولم يكن هذا حالَ من سبقنا. فقد كان التكامل المعرفي سمةً أصيلة في فكرهم، فقد كان العالِمُ في تراثنا جامعًا بالطبع: فقيهًا لغويًّا مؤرّخًا، يرى العلومَ يُفضي بعضُها إلى بعض، لأنّ وحدة المعرفة عنده صدًى لوحدة الحقّ. كان الغزاليُّ والبيرونيُّ وابنُ خلدون أقربَ إلى المهندس منهم إلى البنّاء، يجمعون ما فرّقه غيرُهم. ثم استوردنا أدواتِ التخصّص الغربية — وهي نِعمَ الأدوات — لكنّا نسينا أن نستورد معها الإطارَ الذي يجمعها. 

على أنّ للجمع شرطًا لا يصحّ بدونه، وإلا انقلب مديحُه ذمًّا. فالجامعُ الحقّ راسٌ في صنعةٍ واحدةٍ يُتقنها عمقًا، ثم يرفع بصره إلى ما حولها؛ يأكل من كلّ بستانٍ، ولا تُنبت أرضُه إلا ثمرها الأصيل. أمّا من يجمع بلا رسوٍّ في علم، فمتفلسفٌ منطبعٌ يطفو على السطح ويحسبه عمقًا — وهي التهمة التي رُمي بها كلُّ صاحب نظرةٍ كليّة تسعى إلى التكامل المعرفي، ظلمًا حينًا وعدلًا أحيانًا. فالعمقُ يمنح الجمعَ مصداقيته، والأفقُ يمنح العمقَ معناه؛ وإنما يُؤتى الجامعُ من قِبَل نفسه يومَ يظنّ أنّ اطّلاعًا عابرًا على كلّ شيءٍ يُغني عن إتقان شيء. فلا نمدح الجمعَ لذاته، ولا نُطلق التخصّصَ لذاته؛ بل نطلب جامعًا متمكّنًا، ومتخصّصًا ذا أفق.

وليست هذه دعوةً إلى حربٍ بين الجزء والكلّ، فالكلُّ ليس عدوَّ الجزء بل معناه. إنما هي دعوةٌ إلى ردّ الاعتبار لعقلٍ جامعٍ جوّعته مؤسّساتُنا: أن نعلّم الطالبَ الروابطَ لا الصناديقَ المغلقة، وأن نكافئ من يؤلّف كما نكافئ من يحلّل، وأن يربّي كلُّ متخصّصٍ في نفسه نافذةً تطلّ على ما وراء حقله لتحقيق التكامل المعرفي. فبين أيدينا أجزاءٌ كثيرةٌ منحوتةٌ بإتقان، وقليلٌ من يسأل عن البناء الذي تجتمع لأجله. وما أحوجَنا اليوم — لا إلى مزيدٍ من الحجارة — بل إلى مهندسٍ يرى.

مصنَّف ضمن:

التحليلات,