في مطلع التسعينيات، حين رفعت شعوب أوروبا الشرقية لافتات الحرية وتهاوت جدران الشموليات، كانت منظمات المجتمع المدني في طليعة المشهد. تلك الصورة الدرامية — الناشط في مواجهة الدبابة — رسخت في الأذهان معادلة صارمة: المجتمع المدني = المواجهة.
غير أن ثمة خطأً في هذه المعادلة، خطأ لطيف لكنه فادح: إنها تختزل “الغرب” في أمريكا. ينما تكشف تجارب أخرى أن الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني قد تكون نموذجًا مختلفًا لا يقل نجاحًا ولا تأثيرًا.
الكاوبوي الرقيب: النموذج الأمريكي
في الولايات المتحدة، نشأ المجتمع المدني من رحم الشك العميق في السلطة. الدستور الأمريكي صُمِّم بوصفه درعاً يحمي الفرد من تغوّل الحكومة. ومن هذه الروح وُلدت منظمات مثل “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية”. وظيفتها ليست تقديم الخدمات، بل أن تكون “كلب الحراسة” الذي ينبح كلما تجاوزت الدولة حدودها. إنها تعمل بمنطق السوق: تبرعات الأفراد والشركات، وتُحاسَب بمعيار صوتها لا بمعيار خدماتها.
الشريك الودود: النموذج الألماني
لو عبرنا المحيط إلى ألمانيا، تبدلت اللوحة كلياً. المجتمع المدني الألماني لا يرى في الدولة عدواً يجب مراقبته، بل شريكاً يجب التعاون معه. المنظمات الكبرى كـ Caritas وDiakonie ليست منصات احتجاج، بل مؤسسات ضخمة تقدم الرعاية والتعليم والصحة نيابةً عن الدولة. والمفاجأة التي تُربك أصحاب الأحكام الجاهزة: هذه المنظمات تتلقى تمويلاً حكومياً هائلاً، والجميع يرى في ذلك قمة التضامن الاجتماعي، لا “تدجيناً” ولا “عمالة”. الدولة الألمانية تعمل بمبدأ “التفريع”: هي تموّل، والمجتمع يُنفّذ. في نموذج يُجسّد الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني بوصفها أساساً لتقديم الخدمات وتحقيق الصالح العام.
نحن أقرب إلى برلين مما نتصور
والمفارقة المضحكة المبكية أننا في العالم العربي نُجهد أنفسنا في تقليد النموذج الأمريكي، ونقيس “نجاح” جمعياتنا بمدى صراخها في وجه الحكومات. بينما لو تأملنا واقعنا بعيون غير مستعارة، لأدركنا أن بنيتنا الثقافية والسياسية — الدولة الراعية، التكافل الاجتماعي، الانسجام على الصدام — تجعلنا أقرب بكثير إلى النموذج الألماني. الدولة الخليجية هي الممول الأكبر، والجمعيات هي الذراع التنفيذي للخير. فلماذا نصر على تسمية هذه العلاقة “تخلفاً” بينما تُسمّى في ألمانيا “تحضراً”؟
المشكلة إذن ليست في أننا “لا نشبه الغرب”. المشكلة في أننا اخترنا المرآة الخطأ لننظر فيها إلى أنفسنا. النموذج التشاركي نموذج عالمي محترم وناجح، ولعل الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني هي الصيغة الأقرب لواقع مجتمعاتنا والأقدر على تحقيق التنمية والاستقرار، لأنها تنطلق من التعاون لا الصدام، ومن التكامل لا المواجهة.